المقريزي

311

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الأمير الوزير ناصر الدين محمد بن الحسام ، وهذه المقصورة بآخر الرواق الأوّل مما يلي الركن الغربيّ ، ولم تزل هذه الزاوية عامرة إلى أن كانت المحن من سنة ست وثمانمائة ، وخرب خط زريبة قوصون وما في قبلية إلى منشأة المهرانيّ ، وما في بحريه إلى قرب بولاق . زاوية القلندرية القلندرية طائفة تنتمي إلى الصوفية ، وتارة تسمي أنفسها ملامتية ، وحقيقة القلندرية أنهم قوم طرحوا التقيد بآداب المجالسات والمخاطبات ، وقلت أعمالهم من الصوم والصلاة إلّا الفرائض ، ولم يبالوا بتناول شيء من اللذات المباحة ، واقتصروا على رعاية الرخصة ، ولم يطلبوا حقائق العزيمة ، والتزموا أن لا يدّخروا شيئا ، وتركوا الجمع والاستكثار من الدنيا ولم يتقشفوا ولا زهدوا ولا تعبدوا ، وزعموا أنهم قد قنعوا بطيب قلوبهم مع اللّه تعالى ، واقتصروا على ذلك وليس عندهم تطلع إلى طلب مزيد سوى ما هم عليه من طيب القلوب . والفرق بين الملامتيّ والقلندريّ ، أن الملامتيّ يعمل في كتم العبادات ، والقلندريّ يعمل في تخريب العادات ، والملامتيّ يتمسك بكل أبواب البرّ والخير ويرى الفضل فيه ، إلّا أنه يخفي أحواله وأعماله ، ويوقف نفسه موقف العوام في هيئته ، وملبوسه تسترا للحال ، حتى لا يفطن له ، وهو مع ذلك متطلع إلى المزيد من العبادات . والقلندريّ لا يتقيد بهيئة ولا يبالي بما يعرف من حاله وما لا يعرف ، ولا ينعطف إلّا على طيب القلوب ، وهو رأس مال . هذه الزاوية خارج باب النصر من القاهرة من الجهة التي فيها الترب والمقابر التي تلي المساكن ، أنشأها الشيخ حسن الجوالقيّ القلندريّ ، أحد فقراء العجم القلندرية على رأي الجوالقة ، ولما قدم إلى ديار مصر تقدّم عند أمراء الدولة التركية ، وأقبلوا عليه واعتقدوه فأثرى ثراء زائدا في سلطنة الملك العادل كتبغا ، وسافر معه من مصر إلى الشام ، فاتفق أن السلطان اصطاد غزالا ودفعه إليه ليحمله إلى صاحب حماه ، فلما أحضره إليه ألبسه تشريفا من حرير طرز وخش وكلوتة زركش ، فقدم بذلك على السلطان ، فأخذ الأمراء في مداعبته وقالوا له على سبيل الإنكار : كيف تلبس الحرير والذهب وهما حرام على الرجال ؟ فأين التزهد وسلوك طريق الفقراء ونحو ذلك ؟ فعندما حضر صاحب حماه إلى مجلس السلطان على العادة قال له : يا خوند أيش عملت معي ، الأمراء أنكروا عليّ ، والفقراء تطالبني . فأنعم عليه بألف دينار ، فجمع الفقراء والناس وعمل وقتا عظيما بزاوية الشيخ عليّ الحريريّ خارج دمشق ، وكان سمح النفس جميل العشرة لطيف الروح ، يحلق لحيته ولا يعتم ، ثم إنه ترك الحلق وصارت له لحية وتعمم عمامة صوفية ، وكانت له عصبة ، وفيه مروءة وعصبية ، ومات بدمشق في سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة . وما زالت هذه الزاوية منزلا لطائفة القلندرية ، ولهم بها شيخ ، وفيها منهم عدد